ابن قيم الجوزية
290
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
قولا وعملا واعتقادا وباللّه التوفيق . ( فصل ) ونختم الكتاب بما ابتدأنا به أولا وهو خاتمه دعوى أهل الجنة قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال حجاج عن ابن جريج أخبرت أن قوله دعواهم فيها سبحانك اللهم قال إذا مر بهم الطير ليشتهونه قالوا سبحانك اللهم وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما اشتهوا فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله تعالى وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ، قال فإذا أكلوا حمدوا اللّه ربهم فذلك قوله تعالى وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( قال سعيد ) عن قتادة قوله تعالى دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ يقول ذلك دعاؤهم فيها وتحيتهم فيها سلام ( وقال ) الأشجعي سمعت سفيان الثوري يقول إذا أرادوا الشيء قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم ما دعوا به ومعنى هذه الكلمة تنزيه الرب تعالى وتعظيمه وإجلاله عما لا يليق به ( وذكر ) سفيان عن عبد اللّه بن موهب سمعت موسى بن طلحة قال : « سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن سبحان اللّه فقال تنزيه اللّه عن السوء » وسأل ابن الكواء عليا عنها فقال كلمة رضيها اللّه تعالى لنفسه وقال حفص بن سليمان بن طلحة بن يحيى بن طلحة عن أبيه عن طلحة بن عبيد اللّه قال : « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن تفسير سبحان اللّه فقال هو تنزيه اللّه عن كل سوء » فأخبر اللّه تعالى عن أول دعواهم إذا استدعوا شيئا قالوا سبحان اللّه وعن آخر دعواهم عندما يحصل لهم وهو قولهم الحمد للّه رب العالمين ومعنى الآية أعم من هذا والدعوى مثل الدعاء والدعاء يراد به الثناء ويراد به المسألة وفي الحديث أفضل الدعاء الحمد للّه رب العالمين فهذا دعاء ثناء وذكر يلهمه اللّه أهل الجنة فأخبر سبحانه عن أوله وآخره فأوله تسبيح وآخره حمد يلهمونهما كما يلهمون النفس * وفي هذا إشارة إلى أن التكليف في الجنة يسقط عنهم ولا تبقى عبادتهم إلا هذه الدعوى التي